أحمد بن محمد ابن عربشاه

282

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ترغب في صحبتي وتميل إلى صداقتى ، فترى إذ ذاك منّى بحمد الله تعالى من الأخوة والصداقة والمروءة والرفاقة ما تنسى به كل صديق ، وتفضل به الصاحب الجديد على العتيق ، فتترك سائر أصحابك وتلتهى بي عن أعز أوليائك وأحبابك ؛ خصوصا بني آدم الذين أنت بهم أعلم ، من أذهبت عمرك في خدمتهم والقيام بحقوقهم وحفظ حرمتهم ، وحراسة مواشيهم ودورهم وكمال فضلك في حياطة بيوتهم وقصورهم ، ورعاية رعيانهم وصيانة أهلهم وجيرانهم ، مع قناعتك منهم بما يفضل عنهم من كسرة خبز شعير أو عظم يابس أو فضلة مرقة قدير ، وإضاعتهم حقوق خدمتك ونسيانهم موجبات شفقتك ، حتى لو وصل فمك إلى زادهم أو إلى شيء من عتيد عتادهم ، رموك بالحطب ورضّوا « 1 » رأسك بالحجارة والخشب ، ولو ولغت « 2 » في إنائهم أو شربت من مائهم ما قنعوا في تنظيفه وتطهيره وتشطيفه بمرة ولا مرتين ولا اكتفوا في إزالة لعابك بالعين ، بل دونوا الغسل بالحساب وعفروا الوعاء بالتراب « 3 » ويعدون ذلك من التعبد ولا يرعون مالك من تحبب وتودد . وأنا أرجو أن ترتفع منزلتك وتعلو درجتك ويساعدك رب العرش حتى تسير سلطان السباع وملك الوحوش ، وأجتهد في هذه القضية إلى أن أبلغ هذه الأمنية ، وأكون السبب في ذلك إلى أن تصير رئيس الممالك ، فإن لك على حقا قديما وفضلا جسيما طالما نمنا آمنين في ظل حراستك ، ورعينا مسرورين مكنوفين بحياطتك وأجلنا منك في الخاطر ما قال الشاعر : بقاؤك فينا نعمة اللّه عندنا * فنحن بأوفى شكرها نستديمها

--> ( 1 ) أي كسروا رأسك . ( 2 ) أي شرب ما في الإناء بأطراف لسانه وحركه فيه . ( 3 ) حديث ولوغ الكلب في الإناء : أخرجه الإمام مسلم : كتاب الطهارة ، باب حكم ولوغ الكلب ( 94 ) وفيه : « إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب » .